ويرحل والدي بلا وداع ..

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ويرحل والدي بلا وداع ..

مُساهمة من طرف Admin يوسف حافظ في الخميس نوفمبر 12, 2015 8:11 pm

ويرحل والدي بلا وداع
لقد عز علي يا والدي الفاضل رحيلك فهذه المرة هي الأخيرة التي تغرب فيها عن دنياي وهي المرة الأولى التي لم أودعك فيها ولم أُقبِّل فيها يديك حين الوداع .
فهل يا والدي الفاضل كنت لك ابناً باراً كما كنتَ تحلم وكنتُ أحلم وتنوي حين تربيتك لي ؟ وهل كنتُ رجلا كما كنتَ دائما حريصاً على تعليمي كيف أكون رجلاً ؟ وكيف تراني الآن يا والدي من بعيد من هذه الزاوية التي لا أملك أن أتخيلها ؟ هل تراني ما زلتُ طفلاً لاعباً يجري خلف أهوائه ؟ أم أنني ما زلت الطفل المتمرد على أنواع الطعام التي تقدمها لي أمي حينـــما كنت في المرحــلة الابتدائية وحديثك لي – وما يـــزال يــرن في أذني – ( ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً فكفرت بأنعم الله فأذقها الله لباس الجوع والخوف ... )
فكيف تراني يا أيها الرجل العظيم الذي لا أملك من كلماتي الفقيرة ما أعبر به عن غناك في خلقك وفي أدبك وفي دينك وفي تعاملك وفي تربيتك لنا  وكم كنت حريصاً – رحمك الله بفضله – ألا نظلم لأن الإنسان أمام الله لا يملك رد المظالم وأن الظلم ظلمات يوم القيامة  وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب وأن ما نملكه لنا وللناس معنا وما يملكه الناس ليس لنا الحق فيه ولا علينا له سلطان فكم كنت رائعاً يا أيها الأب الحنون والرجل الرجل
كثيراً أشكر الله تعالى على أنك والدي فلقد اختصني مع إخوتي بفضل عظيم هو كونك أبانا وكوننا أبناءً لك
فلقد عهدناك رجلاً تحمينا من أنفسنا ومن أفعالنا وكنت لنا الصدر الحنون الذي لا نلجأ إلا إليه بعد الله في أوقات الشدة وكنت اليد الحنون التي تربتُ على أكتافنا أوقات الخطأ تعيد لنا عقولنا بابتسامتك المعهودة وكلماتك القليلة التي توجهنا باقتناع
وكنت العقل المدبر الذي يوجهنا في خُفية دون أن تجرحنا لما يرضي الله ويرضيك أنت وأمي العطوف التي كانت لا ترى في الدنيا أماناً إلا لديك أنت وحدك ولا ترى العقل إلا ملكاً لك وحدك ووقفاً عليك
ولا أُخفيك سراً يا أبي فكثيراً ما سألتُ نفسي ما سر هذا الاقتناع من أمي بشخصك وذوبانها فيك وفي عقلك وكلامها بكلامك كلام الله وحرصها الدائم على مراعاتك أكثر من أي شيء كانت تحرص عليه ولكنني عندما كبرتُ وأصبحتُ  - كما كنت تقول لي -رجلاً عاقلاً فهمتُ كل شيء وعرفتُ أن الزوجة في طوع زوجها فقط ولو كان السجود لغير الله لسجدت المرأة لزوجها فما بالك إن كنت أنت الزوج يا أبي وكانت أمي هي الزوجة الودود الحنون
ولا أستطيع أن أنسى يوم أمسكت أنا و أخي حسن بعض الأطفال الأشقياء يعتدون على حديقتنا وأوجعناهم ضرباً فكثيراً ما نهرتني ولمتني موبخاً ومرشداً وقائلاً لي ( إن هذه الأرض وما بها ملكٌ لي أنا وحدي وأنا مسامح فيما أخذوه ويجب أن تكونوا هكذا فالرزق ليس لك وحدك بل لك وللآخرين )
وقلت لي ما من إنسان يزرع زرعاً أو يغرس غرساً ويأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمة إلا كانت له به صدقة ... فكيف تمنعوني من هذه الصدقة باعتدائكم هذا
رحلت بقضاء الله يا والدي ولا أراك غائباً عنا بل أراك موجهاً ومرشداً وعيناً حريص أنا ألا تراني فيما يُغضبها ويُغضب الله ومتابعاً لكل ما أفعل حريص ألا أقع في الخطأ حتى تظل راضياً يا والدي عني فلقد كنت مربياً فاضلاً تركت فينا فراغاً لن نستطيع ملأه أبدا ولو ارتمينا تحت أقدام رفاقك يا أبي لنستقي منهم ما كنت تعطينا لأننا نؤمن بقولك لنا  ( لن يقوم مقام الأب إلا الأب )  فما بالك إن كنت أنت الأب فلك أن ترى يا والدي ماذا فقدنا وكيف نسير في هذا الزمن بلا دليل ولا شط لنرسو عليه من تعب السفر وآلام الرحلة و مشقة الحياة
وكيف لي أن أدخل بيتا بنيته أنت ورسمته أنت وكنت دوماً فيه تودعني وتستقبلني ذهاباً وإياباً داعياً ومرشداً وباسماً لي وماداً يديك أُقبِّلها وأنعم بها لثواني وسائلاً عني وعن حالي  كيف لي أن أدخل هذا البيت وما الشعور الذي سينتابني حين الدخول وأي لهفةٍ تصاحبني طوال السفر حين العودة ولمن أحقق نجاحاتي ولمن أقدم أفضل أعمالي وبمن أشعر بالفخر حينما أجلس إلى جواره وهو يتحدث إلي ويلاعب ابني ويلاطف زوجتي ويحنو على ابنتي وبمن أسترشد ومن أصاحب ومن أجالس ومن أضاحك ومن ألاطف يا أبي فكان من الضروري لك أن توصي لي بكل هذه الأفعال إلى من أوكلها بعدك وكيف لي أن أعيش بدونك إن أوكلتها لغيرك يا والدي الفاضل ؟
فكثيرا ما زرعت الآمال وجنيت الأحلام وسعدت بها لوجودك معي نتقاسم الفرحة والسعادة فكيف لي أن أحقق مثل ما حققت وكيف لي بالسعادة تدق بابي وأنت لست مشاركا لي فيها ؟
لقد رحلت بقضاء الله والحمد لله رافع الرأس بطاعتك لله حتى في أحلك أوقاتك يا والدي كنت دائماً ذاكراً الله وحريصاً على ذلك فليرحمْك الله
ولكن الحزن الذي ينتابني حينما أفكر في غيابك بلا توديعي هو الذي يضرب بقلبي ضرباتٍ قاسيةً قد لا أصبر عليها يا والدي فما كنت متوقعاً أبدا رحيلك دونما توديعي يا أبي فكلما أفرح تتسلل إلى قلبي هذه الأفكار ورحيلك وغيابك وأنني لم أكن بجوارك وقت الرحيل الأخير فأفقد بهجة الفرحة والسعادة التي من الممكن أن أكون بها وكأن الفرحة أصبحت سحابة تمر علي أوقاتاً قصيرة ثم أعود لدنياي الملبدة بالضباب والغيام  باكياً في معظم الأحيان واجماً في أحيانٍ أخر ذاهلا عن الكون شارد الفكر لا أفكر فيما أنا فيه بل أفكر في غيابك أنت  فليرحمك الله يا أعظم الرجال و يا أفضل الرجال و يا أحن القلوب
فما أروعك من رجل وما أجملك من أب حنون و ما أعدلك في رحمتك بنا يا أبانا العزيز
ابنك يوسف
دبي / الخميس /18 / 11/ 2010
التاسعة مساءً
avatar
Admin يوسف حافظ
Admin

المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 12/11/2015
العمر : 42
الموقع : دبي . الإمارات العربية المتحدة

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousif.ahlamontada.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى